محمد كرد علي

278

خطط الشام

بأمرها ، وتسير معها إلى الغاية التي هي تنشدها من رد عادية الصليبيين . وكان في حذقه بسياسته كما قيل يستخدم الفضائل والرذائل في الناس كما تستخدم الطبيعة فضول الأغذية فتجعلها في أشياء تنتفع بها . ولقد أوقف طغتكين سير الصليبيين عن التوغل في أحشاء المملكة ، وقصر حكمهم على الساحل وعلى أنطاكية والقدس وطبرية ، ولولا قيامه ذاك القيام المحمود لفتح الصليبيون دمشق وحلب ، وكثيرا ما كانوا يغزون ربضهما وضاحيتهما ، واكتفى المسلمون والفرنج بإضعاف قوى بعضهم بعضا تارة ، وعقد المهادنات طورا ، ولم تسفّ دمشق إلى دفع الغرامات للصليبيين على عهد طغتكين معتبرة نفسها الأم والعاصمة أكثر من غيرها من حواضر الشام ، ولو أخذت دمشق لاستصفي الشام كله ولا نقطع ما بين مصر وهذا القطر من الاتصال ، وصعب بعد ذلك إخراج الفرنج منه ، فبقاء الرابطة مع مصر من البر ومن البحر إلى أن سقطت صور ، حصر الفرنج في بقعة معينة لا تتعدى الطريق إلى بيت المقدس عن طريق الساحل . ولو كان جميع أمراء الشام على مثل سيرة طغتكين ، لخفت وطأة الفرنج كثيرا في هذه الثلاثين سنة ، وماذا يرجى من خير الأمراء إذا كان صاحب بعلبك يطلعهم على عورات المسلمين ، وصاحب أفامية يقطع السابلة وابنه يحث الفرنج على قصد بلد أبيه ، وصاحب حمص يشارك قطاع الطريق وكذلك ابنه خير خان ، وبأمثال هذه الطبقة لا تخلص الرعية ويتعذر سوق القوم إلى طريق الخير ، وهم لا يزالون مختلفين لأنهم يرون من عملهم أن يستعبدوا من صاروا إليهم وينعموا ولو بإهلاكهم ، لا أن يحافظوا على ملك ويدافعوا عن ذمار . ولذلك كان ظهير الدين بسياستة الحسنة مع ملوك الأطراف المرجع في الشام ، أطلق الخليفة العباسي يده فيه منذ سنة 509 حربا وخراجا ، وجعل ارتفاعه على إيثاره واختياره ، لما بان من حسن بلائه وجميل سيرته في رعيته . على حين بدلت حلب عدة ملوك خلال دوره ، وكان بعضهم يتنازعون ويتفاشلون ويتقاتلون . كانت أخبار المسلمين تصل إلى الفرنج بسرعة ، والغالب أن هؤلاء برعوا في التقاط الأخبار أكثر من الذين نزلوا عليهم ، فكان الفرنج عندما